
بالأرقام.. الذكاء الاصطناعي يطيح بأكثر من 192 ألف وظيفة
قرابة 192 ألف وظيفة أُلغيت في أمريكا وحدها بسبب الذكاء الاصطناعي منذ 2023، أكثر من 120 ألفًا منها في 2026.. قراءة في الأرقام وتقارير صندوق النقد والمنتدى الاقتصادي العالمي، وما تعنيه لمستقبل الوظائف والمهارات.
بدأت آثار الذكاء الاصطناعي تتجاوز تحسين الإنتاجية وتسريع إنجاز الأعمال، لتصل إلى إعادة هيكلة الشركات وتقليص أعداد الموظفين، في تحول متسارع يشهده سوق العمل العالمي، تقوده شركات كبرى كانت حتى وقت قريب من أكثر الجهات توظيفًا واستقطابًا للكفاءات.
وكشفت وكالة رويترز، في تقرير نشرته بتاريخ 22 أكتوبر 2026، عن موجة من تسريح الموظفين وإعادة الهيكلة في شركات عالمية، بالتزامن مع تحول استثماراتها نحو الذكاء الاصطناعي والأتمتة، شملت قطاعات التقنية والخدمات المالية والصناعة والتجارة والتأمين.
هناك شركات كبرى تعيد حساباتها وتقيم البدائل المتاحة لإحلال الذكاء الاصطناعي بدلاً عن بعض الموظفين، ومن أبرز هذه الشركات، أمازون التي أعلنت خفض 16 ألف وظيفة إدارية خلال يناير، ضمن توجهات لرفع الكفاءة وإعادة تنظيم عملياتها، فيما أعلنت مايكروسوفت تقليص نحو 4800 وظيفة في يوليو، بما يعادل 2.1% من قوتها العاملة، وشملت التخفيضات أنشطة تجارية وقطاع الألعاب.
وفي القطاع المصرفي، تدرس مجموعة HSBC خفض ما يصل إلى 20 ألف وظيفة، أي نحو 10% من موظفيها، ضمن إعادة هيكلة ترتبط بالتوسع في استخدام الذكاء الاصطناعي. كما تتجه مجموعة ستاندرد تشارترد إلى تقليص أكثر من 7 آلاف وظيفة على مدى أربع سنوات، بينما أعلنت باركليز خططًا لخفض نحو 5 آلاف وظيفة، تتركز في الوظائف المساندة.
ولم يقتصر الأمر على الشركات التقنية والمصرفية؛ إذ أعلنت شركة داو الصناعية خفض 4500 وظيفة، بما يعادل 13% من قوتها العاملة، ضمن جهود تعتمد على الأتمتة والذكاء الاصطناعي. كما كشفت شركة HP عن خطط لتقليص ما بين 4 و6 آلاف وظيفة بحلول نهاية عام 2028، في إطار إعادة تنظيم عملياتها ورفع كفاءتها التشغيلية.
ومن الأرقام اللافتة أيضًا إعلان شركة Block تقليص أكثر من 4 آلاف وظيفة، بما يقارب نصف قوتها العاملة، ضمن إعادة هيكلة تركز على الذكاء الاصطناعي، إلى جانب شركة WiseTech التي أعلنت الاستغناء عن ألفي موظف، أي نحو ثلث العاملين لديها، بالتزامن مع دمج تقنيات الذكاء الاصطناعي في أعمالها.
وللحديث عن العدد الدقيق للذين فقدوا وظائفهم بسبب الذكاء الاصطناعي حتى الآن، نقول بإنه لا يوجد حتى اليوم إحصاء عالمي شامل لعدد الوظائف التي فُقدت بسبب الذكاء الاصطناعي تحديدًا، لكن أدق مؤشر متاح يأتي من شركة «تشالنجر، غراي آند كريسماس» الأمريكية المتخصصة في رصد إعلانات التسريح، والتي بدأت منذ عام 2023 تصنيف الحالات التي تذكر فيها الشركات الذكاء الاصطناعي سببًا صريحًا لخفض الوظائف. وتكشف بياناتها عن تصاعد لافت:
- من 2023 حتى نهاية 2025: نحو 71,800 وظيفة أُلغيت بسبب الذكاء الاصطناعي في الولايات المتحدة، منها 54,836 وظيفة في عام 2025 وحده، من إجمالي تجاوز 1.2 مليون وظيفة أُعلن عن خفضها خلال ذلك العام.
- منذ بداية 2026 حتى سبتمبر: 120,136 وظيفة، أي نحو 21% من إجمالي 573 ألف وظيفة أُعلن عن خفضها، ليصبح الذكاء الاصطناعي السبب الأول المعلن للتسريح هذا العام.
- الحصيلة التراكمية: قرابة 192 ألف وظيفة في السوق الأمريكية وحدها منذ 2023، أي أن ما أُعلن خلال تسعة أشهر من 2026 يفوق ما أُعلن في السنوات الثلاث السابقة مجتمعة.
ومع أهمية هذه الأرقام، تجدر قراءتها بحذر؛ فهي تعكس خطط تسريح معلنة في السوق الأمريكية فقط، وتعتمد على ما تذكره الشركات من أسباب. وقد خلصت دراسة لمختبر الميزانية بجامعة ييل (Yale Budget Lab) إلى أن سوق العمل الأمريكي لم يشهد حتى الآن اضطرابًا واسعًا على مستوى الاقتصاد ككل منذ إطلاق ChatGPT، وأن التحول في تركيبة المهن ما زال قريبًا من وتيرة موجات تقنية سابقة.
تقول التقارير الدولية وتتفق أبرز الجهات على أن تأثير الذكاء الاصطناعي في الوظائف سيكون واسعًا، وإن اختلفت في تقدير حجمه:
- صندوق النقد الدولي: قدّر في يناير 2024 أن نحو 40% من الوظائف حول العالم معرضة لتأثير الذكاء الاصطناعي، وترتفع النسبة إلى نحو 60% في الاقتصادات المتقدمة، مع الإشارة إلى أن قرابة نصف هذه الوظائف قد يستفيد من التقنية بدلًا من أن يُستبدل بها.
- المنتدى الاقتصادي العالمي: توقّع في تقرير «مستقبل الوظائف 2025» استحداث 170 مليون وظيفة جديدة مقابل اختفاء 92 مليون وظيفة بحلول 2030، بصافي زيادة يبلغ 78 مليون وظيفة، مع تغيّر نحو 39% من المهارات المطلوبة في سوق العمل.
- غولدمان ساكس: قدّرت أن ما يعادل 300 مليون وظيفة بدوام كامل حول العالم معرض للأتمتة بالذكاء الاصطناعي التوليدي، وأن نحو 6 إلى 7% من القوى العاملة الأمريكية قد تُستبدل إذا انتشر استخدامه على نطاق واسع.
وتشير معطيات التوقعات المستقبلية إلى أن المرحلة المقبلة ستشهد إعادة توزيع للوظائف أكثر من اختفائها؛ فبحسب المنتدى الاقتصادي العالمي، يخطط 41% من أصحاب العمل لتقليص قواهم العاملة في المجالات التي يمكن أتمتتها بالذكاء الاصطناعي، في حين يعتزم 77% منهم إطلاق برامج لتطوير مهارات موظفيهم وإعادة تأهيلهم. ويعني ذلك أن الوظائف القائمة على المهام المتكررة، كالأعمال الإدارية والمساندة وإدخال البيانات وخدمة العملاء، ستكون الأكثر عرضة للتقلص، بينما سيزداد الطلب على المهارات التقنية والتحليلية، والتفكير الإبداعي، والقدرة على العمل جنبًا إلى جنب مع أدوات الذكاء الاصطناعي.
هذه الأرقام تكشف عن تحول جوهري في طريقة إدارة الشركات لمواردها البشرية. فالتوسع في الذكاء الاصطناعي لم يعد مجرد إضافة أدوات تقنية تساعد الموظفين على إنجاز أعمالهم، بل أصبح عاملًا مؤثرًا في تحديد أعداد الموظفين، وطبيعة الوظائف التي تحتاجها الشركات، والمهارات التي تستحق الاستثمار فيها.
ومع ذلك، فمن غير الدقيق نسبة جميع حالات التسريح إلى الذكاء الاصطناعي وحده؛ إذ تتداخل معها عوامل أخرى، منها خفض التكاليف وإعادة الهيكلة وتحسين الربحية وتغيير الأولويات الاستثمارية. لكن اللافت أن الذكاء الاصطناعي أصبح حاضرًا بصورة متزايدة في مبررات هذه القرارات وخطط الشركات المستقبلية.
والأهم من فقدان الوظائف الحالية هو ما قد يحدث في السنوات المقبلة؛ فالشركات لا تعيد النظر في الوظائف القائمة فحسب، بل تعيد تقييم احتياجاتها من التوظيف مستقبلًا، خاصة في الأعمال المتكررة والمهام القابلة للأتمتة، وهو ما قد ينعكس على فرص العمل الجديدة، حتى دون الإعلان عن تسريح موظفين.
وهنا تبرز مسؤولية المؤسسات في إعادة تأهيل موظفيها، وتطوير مهاراتهم، والاستفادة من الذكاء الاصطناعي في رفع قدراتهم قبل اللجوء إلى الاستغناء عنهم. وفي المقابل، أصبح تطوير المهارات التقنية والتحليلية والقدرة على التعامل مع أدوات الذكاء الاصطناعي ضرورة مهنية، لا مجرد ميزة إضافية في السيرة الذاتية.
إن التحول الذي نشهده اليوم لا يعني بالضرورة اختفاء العمل البشري، لكنه يشير بوضوح إلى تغير طبيعة الأعمال والمهارات المطلوبة. والتحدي الحقيقي ليس في قدرة الذكاء الاصطناعي على أداء بعض مهام الموظف، بل في قدرة الموظف والمؤسسة على التكيف مع هذا التحول والاستفادة منه.
فالذكاء الاصطناعي لا يغير طريقة إنجاز الأعمال فحسب، بل يعيد تشكيل سوق العمل نفسه، ومن يتأخر في فهم هذا التحول والاستعداد له قد يجد نفسه أمام واقع مهني مختلف تمامًا عما اعتاده.
المصادر
- وكالة رويترز، تقرير موجة التسريح وإعادة الهيكلة المرتبطة بالذكاء الاصطناعي، 22 أكتوبر 2026.
- Challenger, Gray & Christmas، تقرير نهاية العام 2025، وتقرير سبتمبر 2026 لإعلانات خفض الوظائف.
- صندوق النقد الدولي (IMF)، «الذكاء الاصطناعي والاقتصاد العالمي»، يناير 2024.
- المنتدى الاقتصادي العالمي (WEF)، تقرير «مستقبل الوظائف 2025».
- Goldman Sachs Research، تقديرات أثر الذكاء الاصطناعي التوليدي على الوظائف.
- Yale Budget Lab، «تقييم أثر الذكاء الاصطناعي على سوق العمل»، أكتوبر 2025.
عن الكاتب
عبدالله العمري
كاتب ومفكر
مقالات تهدف لنشر الوعي والمعرفة في مجالات متعددة.
اقرأ أيضاً
عرض المقالات
لماذا نخجل من التصريح باستخدام الذكاء الاصطناعي في أعمالنا؟
لماذا يتردد بعض الموظفين في الإفصاح عن استخدامهم للذكاء الاصطناعي؟ قراءة في ظاهرة «الخجل من الذكاء الاصطناعي»، ودعوة لتقييم العمل بجودة مخرجاته وفهم صاحبه له، لا بصعوبة إنجازه.

تعلّم الذكاء الاصطناعي قبل أن تتسع الفجوة
تعلّم الذكاء الاصطناعي لم يعد مهارة إضافية، بل أصبح عاملاً مهماً في سرعة الإنجاز والمنافسة في سوق العمل.

الذكاء الاصطناعي يضع كبار المديرين أمام خيار صعب: التعلّم أو التقاعد
الذكاء الاصطناعي يضع كبار المديرين أمام خيار حاسم: تجديد المهارات أو الانسحاب الهادئ. قراءة في كيفية تحويل القيادات المخضرمة لهذه التقنية إلى شريك استراتيجي يحفظ مكانتهم والذاكرة المؤسسية.